Sunday, March 13, 2011

الشفافية القضائية .. ماذا لو خضعنا لهذا الاختبار ؟


السعي لتحقيق العدالة وإرساء الحقوق وفق موازين الإنصاف وقيم العدل هو محور القضاء، من أجل ذلك ثمة جهود عظيمة تبذلها العديد من الدول والمجتمعات للوصول إلى نظام قضائي متكامل يحقق هذه الوظيفة الأساسية.

التجربة البشرية والفكر الإنساني أنتج العديد من الأفكار والمفاهيم التي تسؤسس لبناء نظام قضائي مثالي يحافظ على قيم العدالة في المجتمع ويتطلع إلى إرساء الحقوق وإعطائها لمستحقيها دون تدخل أي رغبات شخصية أو سلطات ضاغطة. ثمة مبادئ أصبحت اليوم بمثابة معايير تقاس من خلالها مثالية الأنظمة القضائية ومدى اقترابها أو ابتعادها من النموذج الأقرب إلى الكمال. يشار هنا إلى جملة من المبادئ مثل استقلالية القضاء، والمساواة بين الخصوم، والنزاهة ،وكفاءة القضاة، والشفافية وغيرها من المبادئ التي يفترض أن تتجلى من خلال العديد من الأنظمة واللوائح والتطبيقات العملية التي قد تتناول النظام القضائي بشكل عام أو الأنظمة الإجرائية المفصلة له أو على مستوى أعضاء السلك القضائي.

ومثل هذه المبادئ إن لم تكن مؤيَّدة بشكل مباشر بنصوص من القرآن والسنة أو ربما ببعض الآثار أو التطبيقات العملية في العصر الراشدي فإنها لن تخرج عن التأييد العام من قبل القواعد العامة للشريعة الإسلامية أو الكليات الخمسة التي تقصد الشريعة تحقيقها ، أو قاعدة المصلحة أو السياسة الشرعية المؤسستين للعديد الأحكام والنوازل المعاصرة.

ليس المقام هنا مقام التأصيل الشرعي أو التدليل الفقهي بقدر ما هو محاولة لتوجيه الضوء إلى شيء من المجهود الفكري الرامي لتحقيق مبدأ الشفافية القضائية بوصفه أحد الدعامات الرئيسة لتحقيق العدالة وضمانة من ضمانات تحقيق العدل للمجتمع بشكل عام وللمتقاضين على وجه أخص.

مبدأ الشفافية القضائية مصطلح يندرج ضمن إطاره صور وتطبيقات متعددة منها ما يتعلق بالسعي لتنمية وعي المجتمع بالنظام القضائي ومصادر الأنظمة والتشريعات القضائية وكيفية صدورها إضافة إلى سهولة الوصول لها وإمكانية التعرف عليها، الشفافية في القضاء من المفترض كذلك أن تتناول إجراءات التقاضي ومراحل المحاكمة وإمكانية الوصول إلى القرارات والأحكام القضائية من قبل العامة، تشمل الشفافية القضائية كذلك ما يتعلق بمعايير تعيين القضاة والسلوك القضائي لأعضاء الجهاز القضائي، وجوانب أخرى عديدة غير ذلك.

منظمة الشفافية الدولية ، التي تقدم نفسها بأنها منظمة المجتمع المدني العالمية لمكافحة الفساد، وضعت لائحة في بداية العام 2007م تسعى من خلالها لتعزيز الشفافية في الأنظمة القضائية عالمياً. قدمت اللائحة العديد من المعايير التي من الممكن أن يتم من خلالها قياس مدى الشفافية القضائية من النحايتين التنظيمية والتطبيقية وذلك من خلال أربعة جوانب رئيسية هي الشفافية الإدارية للجهاز القضائي، إمكانية الوصول للمعلومات و القرارات المتعلقة بالشأن القضائي من قبل عامة المجتمع، الشفافية في التعاطي مع وسائل الإعلام،وأخيراً تشجيع الإصلاح المستدام للقضاء.

مما تضمنه الجانب المتعلق بتعزيز الشفافية إدارياً أوصت اللائحة بضرورة إصدار تقرير سنوي مفصل عن الجهاز القضائي يتضمن الشؤون المالية من موازنة ونفقات وخلافه، وتقييم لأداء الجهاز من خلال تبيين عدد المحاكم والقضايا وأنواعهما وغير ذلك ، كما أشارة اللائحة في هذا الجانب أنه قد أصبح من المتعارف عليه في العديد من الأنظمة القضائية لدرء شبهة تعارض الرغبات الشخصية إلزام القضاة بالإفصاح عن الممتلكات عند التعيين ومن ثم بشكل دوري (سياسة من أين لك هذا؟)، أما الجانب الثاني والمتعلق بتسهيل الوصول إلى المعلومات القضائية من خلال مصادر موثوقة فقد أكدت اللائحة على ضرورة نشر الأحكام القضائية لتكون في متناول القضاة والمحامين والإعلام وعامة المجتمع، إضافة إلى ذلك أشارت اللائحة إلى أهمية تثقيف العامة بحقوقهم كخصوم أو متقاضين زيادة على نشر إجراءات التقاضي بشكل واضح. أوضحت اللائحة الدور الفاعل الذي يمارسه الإعلام وأنه ربما ساعد في تعزيز الشفافية القضائية وهنا أوصت باهمية إتاحة الفرصة للإعلاميين للوصول إلى المعلومات والأحكام القضائية بشكل عادل، كما ألمحت إلى أهمية تدريب وتثقيف الإعلاميين على كيفية الفهم والتعاطي مع الأحكام والقرارات القضائية لينقلوا الحقيقة كما هي، في الجانب الأخير أوصت اللائحة بضرورة العناية بتعزيز الشفافية القضائية ليكون ضمن برامج الإصلاح القضائي المستدامة كما نوهت إلى ضرورة إشراك المختصيين والباحثين من خارج الجهاز القضائي في البحث والتطوير من أجل الإصلاح القضائي.

ليست منظمة الشفافية هي الوحيدة التي تحاول الإسهام في تعزيز الشفافية القضائية من منظور المجتمع المدني، المؤسسة الدولية لأنظمة الإنتخابات IFES _وهي جمعية غير حكومية تأسست عام 1987م في الولايات المتحدة تهدف إلى تعزيز الديمقراطية وتطوير الأنظمة الانتخابية من خلال تقديم الاستشارات وعقد الشراكات مع الحكومات الراغبة في تطوير أنظمتها الانتخابية _ قامت بالتعاون مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID بإصدار قائمة تتضمن جملة من الأدوات التي يتم من خلالها قياس مستوى الشفافية القضائية. ليس من الممكن هنا تقديم استعراض لقائمة الأسئلة Checklist حيث يتجاوز عددها أكثر من 260 سؤالاً أو فقرة. قد يكون من الملائم إيراد مقتطفات من قائمة الأسئلة على سبيل التمثيل فقط: هل إجراءات اختيار القضاة محددة بشكل واضح في القانون؟ وهل هناك معايير محددة وواضحة لاختيار القضاة؟هل هي منشورة للعامة ؟ وهل هناك إعلان لاختيار القضاة؟ هل هناك معايير واضحة ومحددة لترقية القضاة؟ وهل هناك تقييم لأداء القضاة؟هل هناك معايير واضحة ومحددة لنقل القضاة؟ هل قرارات النقل والترقية تتخذ من قبل هيئة مستقلة؟ هل رواتب القضاة والبدلات الأخرى جاذبة للكفاءات ولاستمرارهم في السلك القضائي؟هل هي واضحة ومعروفة؟ هل هناك لائحة مكتوبة لأخلاقيات وظيفة القضاء؟هل القانون يلزم القضاة بالإفصاح عن ممتلكاتهم؟ هل جميع الأحكام القضائية في كافة درجات المحاكم مكتوبة؟ هل هي منشورة؟وهل من الممكن الوصول لها من قبل المجتمع؟ هل هي مفهرسة؟ هل هي منشورة على الإنترنت؟ هل لمنظمات المجتمع المدني دور في الإسهام في تعزيز استقلالية القضاء؟ هل لهم دور في مراقبة القضاء؟ هل لهم دور في البحث والدراسة في شؤون القضاء؟ .هذه مجرد مقتطفات من الأسئلة التي تضمنتها القائمة، وهي مجرد اسئلة بلا أجوبة.

ويبقى السؤال الأصعب ما ذا لو تم عرض نظامنا القضائي في المملكة العربية السعودية على قائمة الأسئلة هذه ما ذا لو تم وضعه على معايير الشفافية مالذي سيحدث؟ ليس النظام المكتوب والمنشور فحسب. ما ذا لو تم اختبار الواقع وقياس التطبيق؟ ما ذا ستكون النتيجة؟ هل من الممكن ابتداءً قياس الواقع؟ وهل من المتصور استخدام أدوات القياس ووسائل البحث العلمي لقياس مستوى الشفافية في التطبيق العملي للنظام المكتوب؟ هل الشفافية في واقعنا القضائي اليوم تسمح بقياس الشفافية المنشودة ؟ الشفافيىة المثال؟ النموذج؟ مجرد أسئلة إضافية قد يسوغ إضافتها إلى القائمة المشار إليها.

تعزيز الشفافية القضائية ليست مسئولية الجهاز القضائي فحسب ولا صناع القرار فحسب، بل هي مسئولية المجتمع بأسره وخاصة الحقوقيين والمحامين والإعلاميين من أجل الوصول إلى أعلى مستويات العدالة التي ينشدها المجتمع بأسره؟

16/10/2008م

No comments: